من خوف الاختلاف إلى حكمة التنوّع

تتشابك المصائر في هذا العالم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فلم يعد التّعايش مع الآخر ترفاً أخلاقيّاً أو خياراً ثقافيّاً مؤجّلاً، وإنّما غدا ضرورةً وجوديّةً تُعيد تعريف الإنسان لذاته قبل أن تعرّفه بغيره. فالآخر ليس كائناً طارئاً على هامش حياتنا، ولا فكرةً نظريّةً تُناقش في المؤتمرات، هو مرآتنا العميقة الّتي نرى فيها ملامحنا كما هي، لا كما نحبّ أن نراها.

العنصريّة، في جوهرها، ليست سوى خوفٍ قديمٍ من الاختلاف، وخشية دفينة من أن يهدّد وجودُ الآخر تماسكَ الهويّة أو نقاءَ الانتماء. غير أنّ هذه الفكرة، حين تُمحَّص فلسفيّاً، تكشف عن هشاشتها؛ إذ إنّ الهويّة الصّلبة الّتي تخشى الآخر هي في الحقيقة هويّةٌ قلقةٌ، لم تتصالح بعد مع تعدّدها الدّاخلي، ولم تدرك أنّ الإنسان كائن مركّب، يتكوّن من طبقاتٍ ثقافيّةٍ وتاريخيّةٍ ونفسيّةٍ متداخلةٍ.

التّعايش بعيداً عن العنصريّة لا يعني ذوبان الفوارق أو إنكار الخصوصيّات، ولكن يعني الاعتراف بها دون تحويلها إلى أسوار. هو فعلُ وعيٍ عميق، يُدرك أنّ الاختلاف ليس نقيض الوحدة، وإنّما شرطها الأخلاقيّ. فالحديقة لا تكون جميلةً بلونٍ واحد، واللّغة لا تزدهر بكلمةٍ واحدة، وكذلك المجتمعات لا تحيا بروحٍ واحدة مغلقة على ذاتها.

حين نتعايش مع الآخر بإنصاف، نتحرّر أوّلاً من وهم التّفوق، ذلك الوهم الّذي يجعل الإنسان يقيس نفسه بمقاييس زائفةٍ، ويمنح ذاته قيمةً مصطنعةً على حساب إنسانيّة غيره. التّعايش هنا فعلُ تواضعٍ فلسفي، يُعيد الإنسان إلى حجمه الطّبيعيّ: كائنٌ محدود، ناقص، محتاج إلى غيره ليكتمل وعيه بذاته. فالآخر ليس أقلّ ولا أكثر، بل مختلف، والاختلاف ليس تهديداً بل إضافة.

من النّاحية الوجوديّة، يفتح التّعايش باباً واسعاً لفهم الذات. فكما قال الفلاسفة: “لا أُدرك نفسي إلّا عبر الآخر”. في حضور المختلف، تُختبر قناعاتنا، وتُراجع مسلّماتنا، وتُعرّى أحكامنا المسبقة. التّعايش لا يريح العقل الكسول، ولكن يوقظه، ويدفعه إلى مساءلة نفسه بدل أن يحاكم غيره. ومن هنا، يصبح التّعايش مدرسةً أخلاقيّةً، تُعلّم الإنسان كيف يفكّر قبل أن يحكم، وكيف يسمع قبل أن يُدين.

أمّا العنصريّة، فهي اختزالٌ للعالم، تبسيطٌ فجٌّ للواقع الإنسانيّ المعقّد. هي رغبةٌ في تصنيف البشر كما تُصنّف الأشياء: أبيض/أسود، نحن/هم، متفوّق/دوني. لكنّها تغفل أن الإنسان لا يُختصر بلون أو لغة أو معتقد، هو قصّةٌ طويلةٌ من التّجارب والآلام والأحلام. التّعايش، في المقابل، يعيد للإنسان قصّته الكاملة، ويمنحه الحقّ في أن يكون أكثر من صورةٍ نمطيّةٍ.

على المستوى الاجتماعيّ، يخلق التّعايش فضاءً أخلاقيّاً مشتركاً، تُبنى فيه الثّقة بدل الشّكّ، والتّعاون بدل الصّراع. المجتمعات الّتي تتقن فنّ التّعايش لا تُلغِي الخلاف، لكنّها تُديره بعقلٍ بارد وقلبٍ مفتوح. وهي تدرك أنّ الصّراع القائم على العنصريّة لا يُنتج سوى الخراب، لأنّه يُحوّل التّنوّع من طاقة حياةٍ إلى وقود للكراهيّة.

التّعايش أيضاً فعلُ شفاءٍ جماعيّ. ففي المجتمعات الّتي عانت من الحروب أو الاضطهاد أو النزوح، يصبح قبول الآخر خطوةً أولى نحو ترميم الذاكرة الجريحة. حين نكفّ عن تحميل “الآخر” ذنب التاريخ، وننظر إليه كإنسان لا كوريثٍ للخطيئة، نفتح باباً للمصالحة مع الماضي دون أن نُسجَن فيه. التّعايش هنا تجاوزٌ واعٍ، يضع الألم في سياقه الإنسانيّ بدل أن يحوّله إلى أداة انتقام.

ومن النّاحية الأخلاقيّة العميقة، فإنّ التّعايش بعيداً عن العنصريّة يُعيد الاعتبار للقيمة المطلقة للإنسان. الإنسان ليس وسيلة لإثبات هويةٍ أو أداةً لتعزيز سرديّة، بل غاية بحد ذاته. حين نؤمن بهذا المبدأ، تتهاوى كلّ أشكال التّمييز، لأنّها تقوم أساساً على نفي هذه القيمة. التّعايش، بهذا المعنى، ليس سياسة اندماج فحسب، هي موقفٌ فلسفيٌّ من معنى الكرامة الإنسانيّة.

في هذا العالم يزداد الانقسام، ويُغذّي الخوفَ خطابُ الكراهيّة، يصبح التّعايش فعلَ شجاعة. شجاعة أن ترى في الآخر إنساناً لا تهديداً، شريكاً في الوجود لا خصماً في الهويّة. هو قرارٌ يوميّ بالانحياز إلى الإنسان، لا إلى الرّايات الضّيّقة، وإلى المعنى، لا إلى الغرائز البدائيّة.

ختاماً، يمكن القول إنّ التّعايش مع الآخر بعيداً عن العنصريّة ليس حلّاً سحريّاً لكلّ أزمات العالم، لكنّه الشّرط الأخلاقيّ الأوّل لأيّ مستقبلٍ قابل للحياة. هو الطّريق الّذي يعبر بالإنسان من ضيق الأنا إلى سعة الإنسان، ومن خوف الاختلاف إلى حكمة التّنوّع. ففي قبول الآخر، نُنقذ إنسانيّتنا قبل أن ننقذ العالم.

بقلم: أميرة عليّان تبلو

*جميع المقالات المذكورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي المنظمة